سقوط مؤقت أم تصحيح عميق ؟.. سوق الذهب يترقب بيانات التضخم
شهدت أسواق الذهب العالمية خلال الأسبوع الماضي تباين في نطاق محدود في بداية الأسبوع قبل تسجيل تراجع سعري قوي يوم الجمعة، حيث لم تشفع للمعدن الأصفر التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، والتي قدمت له دعماً محدوداً ومؤقتاً لم يصمد طويلاً أمام العوامل الاقتصادية.
الذهب يخسر كل مكاسبه المسجلة في 2026
استهل الذهب تداولات الأسبوع عند مستوى 4539.42 دولاراً للأونصة، ليرتفع مدفوعاً بـ "علاوة المخاطر" محققاً أعلى مستوياته الأسبوعية يوم الاثنين عند 4545.55 دولاراً، قبل أن يقع تحت طائلة ضغوط بيعيه مكثفة قادها الارتفاع الصاروخي للدولار وعوائد السندات الأمريكية، مما أدى به إلى الانزلاق نحو أدنى مستوياته الأسبوعية يوم الجمعة عند 4311.93 دولاراً للأونصة، ليستقر بحلول نهاية الأسبوع قرب مستويات 4327.88 دولاراً، مسجلاً خسارة يومية حادة بلغت 3.29% وتراجعاً أسبوعياً إجمالياً بنحو 4.27%، حيث خسر الذهب كل مكاسبة التي سجلها منذ بداية 2026
بيانات الوظائف وتوقعات الفائدة الأمريكية
أبرز الأسباب وراء هذا الهبوط الحر صمود سوق العمل في الولايات المتحدة الاستثنائي، والذي وجه ضربة قاضية لرهانات خفض الفائدة؛ إذ كشف تقرير الوظائف الحكومي عن إضافة الاقتصاد الأمريكي لـ 172 ألف وظيفة خلال مايو متجاوزاً التوقعات، بالتزامن مع تقرير "JOLTS" الذي أظهر ارتداداً قوياً للوظائف الشاغرة لتصل إلى 7.6 مليون وظيفة. البيانات القوية عززت من الفرضية النقدية القائلة ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، بل وأعادت إلى الطاولة احتمالات رفعها مجدداً، مما دفع عوائد الخزانة والدولار للتحليق صعوداً، متسببة في كسر الذهب لمستويات دعم فنية بالغة الحرج، أبرزها المتوسط المتحرك لـ 200 يوم الواقع قرب مستويات 4428 دولاراً للأونصة.
بالنسبة للتوترات الجيوسياسية وتحديداً التوترات المحيطة بإيران ومضيق هرمز، لم تفلح في دعم أسعار الذهب؛ إذ تشير المعطيات إلى أن صناديق الاستثمار بدأت تتعامل مع هذه الاضطرابات باعتبارها خطراً مكشوفاً ومعلوماً سلفاً ما لم ينزلق الطرفان إلى مواجهات مباشرة وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية، برغم أن أي تدهور عسكري مفاجئ قد يعيد تحفيز طلب التحوط. ونتيجة لهذا التحول الفني، انقسمت آراء المحللين؛ حيث يرى فريق أن كسر المتوسط لـ 200 يوم جعل الذهب مكشوفاً وعرضة لمزيد من التراجع لاختبار مستويات أدنى عند 2450 أو 4128 دولاراً، بينما يرى فريق آخر أن التراجع مبالغ فيه ولا يعكس حقيقة المشهد الهيكلي الذي يشهد صراعاً خفياً بين تدفقات المستثمرين المضاربين قصيرة الأجل نحو الخارج، ومشتريات البنوك المركزية الاستراتيجية طويلة الأجل.
البنوك المركزية تواصل شراء الذهب
على الجانب الأخر، يبرز صمام الأمان الذي تفرضه المصارف المركزية العالمية؛ فبينما كانت رؤوس الأموال المضاربية تفر من الصناديق المدعومة بالذهب، عادت البنوك المركزية بقوة لتسجيل صافي شراء خلال شهر أبريل الماضي، وضخت نحو 17 طناً إضافية إلى احتياطياتها السيادية عقب توقف مؤقت في مارس، وهو ما يدعم النظرة الإيجابية للمعدن كأصل احتياطي هيكلي بعيد المدى. وفي المقابل، أظهر استطلاعات نشرتها تقارير اقتصادية انقساماً بين "وول ستريت" و"المين ستريت"؛ حيث ساد التشاؤم بين خبراء المال في نيويورك بتوقع 74% منهم هبوط الذهب الأسبوع المقبل مقابل 13% فقط للارتفاع و13% للاتجاه العرضي، في حين تمسك مستثمرو التجزئة بالتفاؤل مع توقع 47% منهم صعود الأسعار مقابل 37% للهبوط و16% للتحرك الجانبي.
ترقب بيانات التضخم الأمريكية
وتتحول أنظار المستثمرين حالياً من صدمة بيانات التوظيف إلى ترقب حزمة من البيانات الاقتصادية الكلية والقرارات النقدية المفصلية خلال الأسبوع المقبل، والتي ستحدد مسار الأسواق بشكل قطعي. وتتصدر هذه الأحداث قراءة مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) ومؤشر أسعار المنتجين (PPI) في الولايات المتحدة لقياس وتيرة التضخم، إلى جانب قرارات السياسة النقدية المرتقبة لكل من بنك كندا والبنك المركزي الأوروبي، بالإضافة إلى بيانات مبيعات المنازل القائمة، وطلبات إعانة البطالة الأسبوعية، ومؤشر ثقة المستهلك الصادر عن جامعة ميشيغان.
الذهب ما بين بيانات ضاغطة ومشتريات متواصلة
وفي المحصلة، يقع الذهب تحت مقصلة الضغوط قصيرة الأجل الناجمة عن قوة الاقتصاد الأمريكي وارتفاع العوائد الحقيقية، وهو ما تُرجم فنيّاً بكسر خطوط الدعم الرئيسية وتشويه الصورة الفنية للمعدن على المدى القصير. ومع ذلك، فإن القاع السعري للذهب يظل محمياً بسلسلة من المشتريات السيادية المستدامة للبنوك المركزية، مما يمنحه حصانة نسبيّة على المدى الطويل، ليصبح اتجاهه القادم رهناً بمدى حدة قراءات التضخم المرتقبة، وتطورات المشهد الجيوسياسي، ومدى قدرة الفيدرالي على التمسك بسياسته المتشددة.
Tags
جميع المقالات
تواصل معنا
إذا كان لديك أي إستفسارات...
من فضلك لا تتردد في ارسال رسالة لنا