تراجع الدولار إلى أدنى مستوى له منذ 2022 وسط توقعات بالمزيد من الخسائر
تتصاعد موجة التشاؤم تجاه الدولار الأميركي إلى مستويات غير مسبوقة، مع تسجيل تدفقات قياسية من الأموال نحو عقود التحوط التي تراهن على استمرار تراجع العملة الخضراء، في ظل حالة عدم الاستقرار السياسي المتزايدة داخل الولايات المتحدة. هذا التحول لم يعد مقتصرًا على رهانات قصيرة الأجل، بل امتد ليشمل النظرة المستقبلية طويلة المدى للدولار، حيث بلغت التوقعات السلبية أعلى مستوياتها منذ مايو 2025 على الأقل.
خلال تعاملات يوم الثلاثاء، واصل مؤشر بلومبرغ للدولار الفوري خسائره لليوم الرابع على التوالي، متراجعًا بنحو 0.4% ليسجل أدنى مستوياته منذ مارس 2022، وذلك عقب أسوأ أداء أسبوعي للعملة الأميركية منذ مايو الماضي، في إشارة واضحة إلى تآكل جاذبيتها كملاذ آمن تقليدي.
جاءت الموجة الأخيرة من الهبوط مدفوعة بتزايد التكهنات حول دعم أميركي لتحركات تهدف إلى تعزيز الين الياباني، ما أعاد إلى الواجهة سيناريو التدخل المنسق في أسواق الصرف لدفع الدولار إلى مستويات أضعف مقابل الشركاء التجاريين الرئيسيين. هذا التطور، إلى جانب تعافي الين، شكّل ضغطًا إضافيًا على العملة الأميركية، التي تراجعت إلى أضعف مستوياتها في نحو أربع سنوات.
التأثيرات الجيوسياسية على الدولار
يُذكر أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات الأميركية باتت عنصرًا رئيسيًا في تسعير الدولار، إذ تشير تقديرات السوق إلى إدراج علاوة مخاطر سياسية متجددة ضمن تقييم العملة، وهو ما انعكس في تراجع الدولار إلى أدنى مستوى له مقابل سلة عملات مجموعة العشر منذ بداية العام، في تحول لافت بنظرة المستثمرين إليه.
في الوقت ذاته، تتزايد الضغوط الهيكلية على الدولار بفعل المخاوف المرتبطة بتفاقم عجز الموازنة الأميركية، ومخاطر العقوبات، وتصاعد النزاعات التجارية، إلى جانب التحول المتسارع نحو الذهب وأصول احتياطية بديلة. ولا يقتصر الأمر على المزاج الاستثماري فحسب، إذ تشير بيانات التداول إلى دور واضح لتدفقات السيولة، مع تسجيل أحجام تداول قياسية عبر مؤسسة “ديبوزيتوري ترست آند كليرينغ كوربوريشن” يوم الإثنين، لتكون ثاني أعلى قراءة تاريخيًا بعد موجة البيع التي شهدتها الأسواق في الثالث من إبريل 2025.
بيانات اقتصادية جيدة ومخاوف المستثمرين
يعكس ضعف الدولار أيضًا حذر المستثمرين إزاء سلسلة من التطورات السياسية غير المتوقعة في واشنطن، من بينها تصعيد الخطاب السياسي والجدل المتزايد حول استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، فضلًا عن المخاوف المرتبطة بالإسراف المالي والاستقطاب السياسي. هذه العوامل مجتمعة أسهمت في ترسيخ الضغوط طويلة الأمد على العملة الأميركية.
ورغم أن البيانات الاقتصادية الأميركية الأخيرة تشير إلى أداء متماسك نسبيًا، ما يدفع الأسواق إلى ترجيح تثبيت أسعار الفائدة هذا الأسبوع، فإن التسعير المستقبلي يعكس توقعات بخفضين للفائدة بواقع ربع نقطة مئوية خلال العام، وهو ما يتناقض مع توجهات عدد من البنوك المركزية الكبرى الأخرى التي تميل إلى الإبقاء على سياساتها دون تغيير أو حتى التفكير في تشديدها.
كما يضيف ترقب إعلان الرئيس الأميركي عن خليفة لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الحالي عنصر ضغط إضافي على الدولار، في ظل توقعات بأن يكون الرئيس القادم أكثر ميلاً إلى خفض تكاليف الاقتراض، وهو ما يعزز الرهانات على استمرار ضعف العملة.
ارتفاع رهانات تراجع الدولار
على صعيد التحوط، تشير البيانات إلى أن معدلات المشاركة في الرهانات الهبوطية للدولار، وفق المتوسط المتحرك لأربعة أيام، بلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق، مع اتجاه واضح لمراكز التداول نحو التحوط من مزيد من التراجع. ومنذ يوم الخميس الماضي، شكّلت هذه الرهانات ما يقرب من ثلثي تداولات عقود الخيارات على اليورو والدولار الأسترالي، فيما قفزت تقلبات الدولار لأجل أسبوع إلى أعلى مستوياتها منذ أوائل سبتمبر.
في نفس الوقت، ارتفع الطلب على عقود “الفراشة” الرباعية، التي تقيس التحوط من التحركات السعرية الحادة، إلى أعلى مستوى في سبعة أشهر، ما يعكس استعداد الأسواق لاحتمال خروج الدولار عن نطاقات تداوله الأخيرة. ويأتي ذلك وسط تكهنات متزايدة بإمكانية تنسيق أميركي-ياباني لمنع الين من التراجع دون مستويات محددة، وهو سيناريو يفتح الباب أمام جولة إضافية من الضغوط على العملة الأميركية
جميع المقالات
تواصل معنا
إذا كان لديك أي إستفسارات...
من فضلك لا تتردد في ارسال رسالة لنا