البنوك المركزية العالمية تسحب الذهب من خزائن لندن وبورصات الغرب مدفوعة بالمخاوف الجيوسياسية
16 Jun 2026

البنوك المركزية العالمية تسحب الذهب من خزائن لندن وبورصات الغرب مدفوعة بالمخاوف الجيوسياسية

أظهر استطلاع حديث أن البنوك المركزية العالمية تقوم بإخراج سبائك الذهب من خزائن لندن ونيويورك، مع تزايد مخاوفها بشأن تخزين المعدن الأصفر خارج حدودها الوطنية في ظل التحولات الراهنةجاء البنكان المركزيان في الهند وفرنسا من بين المؤسسات التي نقلت كميات ضخمة من الذهب خارج الولايات المتحدة والمملكة المتحدة خلال العام الماضي، لتخزين المزيد منه محلياً؛ وهو ما يمثل جزءاً من توجه تبنته هذه المؤسسات لإعادة السبائك إلى ديارها، وتنويع مواقع تخزين احتياطياتها.

على مدى سنوات، دأبت البنوك المركزية على زيادة حيازاتها من الذهب ــ الذي تجاوز مؤخراً سندات الخزانة الأمريكية ليصبح أصل الاحتياطي الأول في العالم ــ في وقت يسعى فيه الكثيرون لإيجاد بدائل للتعامل بالدولار الأمريكي، العملة الاحتياطية الفعلية للعالمومع ذلك، فإن تصاعد الصراعات الجيوسياسية، وأنظمة العقوبات، وتراجع الثقة، قد فرض ضغوطاً متزايدة على نظام تجارة الذهب التقليدي الذي يعتمد بشكل أساسي على لندن ــ حيث تخزن الخزائن الضخمة في بنك إنجلترا أكثر من 700 مليار دولار من المعدن الأصفر ــ وعلى نيويورك، التي تمثل أكبر سوق لعقود الذهب الآجلة في العالم.

وبحسب الاستطلاع السنوي الذي نشره "مجلس الذهب العالمي" ــ وهو هيئة صناعية تمثل منقبي الذهب وتدير صندوقاً للمؤشرات المتداولة مدعوماً بالسبائك ــ فإن عدداً أقل من البنوك المركزية أفادت بأنها تخزن المعدن الأصفر حالياً في لندن ونيويورك مقارنة بما كان عليه الحال قبل عام.

وفي المقابل، قال 19% من المشاركين في الاستطلاع إنهم زادوا من التخزين المحلي أو نوعوا مواقع التخزين الخارجية خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، مقارنة بـ 7% فقط في استطلاع العام الماضي.

وفي هذا السياق، أوضح شاوكاي فان، رئيس قطاع البنوك المركزية في مجلس الذهب العالمي، أن "المخاوف الجيوسياسية" و"الخوف من عدم القدرة على الوصول الكامل إلى الذهب في أي وقت" هي الدوافع الرئيسية وراء هذا التوجه لإعادة السبائك إلى الأوطان وتتنويع مواقع التخزينوأضاف فان: "تلك المخاوف كانت تعتمل في النفوس منذ فترة طويلة بالطبع، لكنني أعتقد أن البنوك المركزية باتت تأخذ هذا الأمر على محمل الجد الآن، وتفكر ملياً في المكان الذي ينبغي أن تخزن فيه ذهبها. إنها تسعى لتخفيف المخاطر، حتى لو لم يكن ذلك يعني بالضرورة إعادة الذهب بأكمله إلى الوطن".

تأتي هذه الأنباء في وقت تعمل فيه سنغافورة وهونغ كونغ على تقديم خدمات التخزين للبنوك المركزية التي تتطلع إلى تنويع مخازنها. وقد صرح نائب رئيس وزراء سنغافورة أن المدينة-الدولة ستطلق نظام مقاصة خارج المقصورة (OTC) للذهب هذا العام، إلى جانب خدمات التخزين للبنوك المركزية.

تجارب التحول: فرنسا والهند في الصدارة

ومن بين أكبر برامج إعادة الذهب إلى الوطن مؤخراً، ما قامت به فرنسا، التي سحبت 129 طناً من الذهب من بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بين يوليو 2025 ويناري 2026، لتصبح الآن مخزنة لكل ذهبها محلياً.

وقد باع بنك فرنسا تلك السبائك الذهبية في الولايات المتحدة، ثم اشترى سبائك معادلة لها في أوروبا، محققاً صافي أرباح بلغ 11 مليار يورو خلال هذه العملية، وذلك جزئياً بسبب العلاوة السعرية (البريميوم) المفروضة على السبائك في الولايات المتحدة نتيجة للرسوم الجمركية. وأفاد البنك أن هذه الخطوة تأتي ضمن الجهود المبذولة لترقية مخزونه من الذهب إلى معايير أعلىوعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، قام البنك المركزي الهندي أيضاً بإعادة معظم الذهب الذي كان يحتفظ به في الخارج لدى بنك إنجلترا وبنك التسويات الدولية.

وبحسب بيانات بنك الاحتياطي الهندي (RBI)، فقد انخفضت حصة ذهبه المخزن في الخارج إلى 22% في مارس 2026 بعد أن كانت 55% في مارس 2023. ولم يستجب بنك الاحتياطي الهندي لطلب التعليق.

من جانبها، قالت جونلو ليانغ، كبيرة المحللين في مؤسسة "ميتالز فوكس" الاستشارية، إن هذه التحركات تظهر كيف تعيد البنوك المركزية تقييم دور الذهب في إدارة الاحتياطياتوأضافت: "في بعض البلدان، ساهمت الاعتبارات السياسية المحلية في تعزيز الدعوات لإعادة نقل حيازات الذهب لتكون أقرب إلى الديار"، مشيرة إلى أن النمسا، وهولندا، وألمانيا قد أعادت جميعها جزءاً من حيازاتها في السنوات الأخيرة.

استمرار جاذبية لندن وتصاعد الضغوط السياسية

ورغم أن هيمنة المملكة المتحدة على تجارة الذهب قد يكون من الصعب زعزعتها ــ حيث سجلت سوق الذهب في لندن حجم تداول تجاوز 200 مليار دولار يومياً الشهر الماضي، مما جعلها السوق الأكثر سيولة في العالم ــ إلا أن الاستطلاع، الذي شمل 76 بنكاً مركزياً بين فبراير ومايو، يظهر أن عدداً أقل من المشاركين باتوا يفضلون تركيز ذخائرهم هناك.

وقد سأل الاستطلاع البنوك عن المكان الذي تضع فيه ذهبها، ومن بين البنوك التي أجابت عن السؤال، كان هناك 57% يخزنونه في بنك إنجلترا، انخفاضاً من 64% في العام الماضيوفي الوقت نفسه، قال 14% إنهم يخزنون الذهب في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، تراجعاً من 17% في العام الماضي. بينما ارتفع عدد المشاركين الذين قالوا إنهم يخزنون الذهب في بنك التسويات الدولية بنسبة طفيفةومع ذلك، يتربع بنك إنجلترا كأكبر مخزن لسبائك البنوك المركزية في العالم، حيث كان إجمالي حيازاته في نهاية مايو أعلى بنسبة 8.6% مقارنة بالعام السابق. وكان المسؤولون قد صرحوا سابقاً أن البنك يحتفظ بالذهب لنحو 70 دولة. وقد رفض البنك التعليقتشمل البنوك المركزية المعروفة بتخزين ذهبها في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك بنوك كل من ألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، واليونان، والسويد، وفقاً لأبحاث "ميتالز فوكس". وتظهر البيانات الفيدرالية الرسمية انخفاضاً طفيفاً في الحيازات الأمريكية من الذهب الحكومي الأجنبي، حيث تراجعت بنسبة 2% من نهاية عام 2024 إلى أبريل 2026.

وتتصاعد الضغوط السياسية في ألمانيا وإيطاليا لإعادة نقل بعض تلك السبائك؛ ففي العام الماضي، دعا سياسيون في كلا البلدين إلى مراجعة آلية تخزين ذهبهما بسبب المخاوف من التدخل السياسي الأمريكي المحتمل. وقد رفض الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك التعليق.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وجه انتقادات لاذعة لرئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق جيروم باول، مما أثار مخاوف الأسواق بشأن استقلالية البنك المركزي الأمريكي مستقبلاًوقال روس نورمان، الرئيس التنفيذي لموقع "ميتالز ديلي" المتخصص في الذهب والمتداول المخضرم، إن "العديد من البنوك المركزية قد تتساءل عن مدى حاجتها للاحتفاظ بكميات كبيرة من المعدن في الولايات المتحدة في ظل البيئة الحالية"، رغم أنه أضاف أن السيولة العميقة للسوق في لندن ستظل جاذبة للغاية للمحافظ الكبرىواختتم حديثه قائلاً: "إنه موضوع مشحون بالسياسة بمثل ما هو مهم اقتصادياً.. هناك نوع من الحراك السياسي الذي يدور الآن حول المكان الذي تحتفظ فيه بذهبك توازياً مع حسابات الجدوى المالية".

Tags


تواصل معنا

إذا كان لديك أي إستفسارات...
من فضلك لا تتردد في ارسال رسالة لنا

Telegram
WhatsApp
تواصل مع الدعم الفني
عودة الي القائمة الرئيسية Back