ما السر في تحركات الذهب القوية ؟
تشير تحركات الذهب الأخيرة إلى أن السوق لم يعد يتعامل مع الأزمات بنفس القواعد التقليدية، بل دخل مرحلة تهيمن عليها السيولة والعائد أكثر من التحوط. تأرجح سعر الذهب خلال جلسة اليوم في نطاق واسع بلغ نحو 437 دولارًا للأونصة، مسجلًا 4537.10 دولار قبل أن يتراجع بعنف إلى حدود 4100 دولار عقب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن محادثات مع إيران وتأجيل الضربات، ثم عاد ليتماسك قرب 4431.80 دولار، بانخفاض يقارب 3.1%. هذه الحركة تعكس سوقًا سريع التفاعل مع أي إشارة تهدئة، حتى قبل تأكدها.
الهبوط الحاد مع افتتاح السوق، والذي اقترب من 440 دولارًا، لم يكن مجرد حركة تصحيحية، بل أظهر تحولًا واضحًا في سلوك المستثمرين. السوق خرج من الذهب بشكل شبه جماعي بحثًا عن السيولة، وتحديدًا الدولار، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكلفة شراء الذهب على المستثمرين خارج الولايات المتحدة، وبالتالي تراجع الطلب عليه بشكل مباشر.
يدخل العالم حاليًا مرحلة تكلفة طاقة مرتفعة، ما يفرض ضغوطًا كبيرة على الدول التي أصبحت بحاجة إلى سيولة فورية لإدارة التزاماتها. وقد انعكس ذلك في بيانات بنك التسويات الدولية التي أظهرت تغيرًا ملحوظًا في هيكل الاحتياطيات عالميًا. في الوقت نفسه، أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى خلق موجة تضخم قوية، وهو ما دفع البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي، إلى التمسك بأسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول.
هنا تتشكل الضغوط الحقيقية على الذهب، إذ يفقد جزءًا كبيرًا من جاذبيته في بيئة ترتفع فيها العوائد، كونه أصلًا لا يدر دخلًا، في وقت تقدم فيه السندات وأدوات الدخل الثابت عائدًا مباشرًا، حتى مع تثبيت الفائدة دون خفض.
على جانب آخر، بدأ الطلب الرسمي في التراجع، حيث شهدت مشتريات البنوك المركزية تباطؤًا بعد فترة من الشراء المكثف، مع توجه متزايد نحو الاحتفاظ بالسيولة الدولارية. غياب هذا الدعم في توقيت حساس جعل السوق أكثر عرضة لموجات البيع.
الحاجة للسيولة فاقت الثقة بالذهب
كما أن جزءًا مهمًا من التراجعات الحالية لا يرتبط بفقدان الثقة في الذهب، بل بالحاجة إلى السيولة. ففي فترات تراجع الأسهم والأصول الخطرة، يتجه المستثمرون إلى تسييل مراكزهم الرابحة لتغطية خسائرهم، وغالبًا ما يكون الذهب في مقدمة هذه الأصول. هذا السلوك تم رصده في تقارير (الشرق بلومبرج)، ويعكس تحول الذهب إلى أداة سيولة أكثر من كونه ملاذًا آمنًا في هذه المرحلة.
ورغم أن التراجع كان متوقعًا جزئيًا بعد الأداء السلبي في الأسبوع الأول من الحرب، فإن حدة الهبوط تجاوزت التوقعات بشكل واضح، وهو ما يشير إلى أن السوق يمر بمرحلة إعادة تسعير عنيفة مدفوعة بضغوط السيولة.
في المقابل، قد يمثل التصحيح الصاعد الحالي نقطة تحول محتملة. فإذا تمكن السعر من الحفاظ على القاع المسجل خلال جلسة اليوم دون كسره، فقد نشهد محاولة لإعادة بناء اتجاه صاعد، لكن هذه المرة ضمن معادلة مختلفة تضع السيولة والعائد في مقدمة الأولويات.
جميع المقالات
تواصل معنا
إذا كان لديك أي إستفسارات...
من فضلك لا تتردد في ارسال رسالة لنا